محمود توفيق محمد سعد

308

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ولما كانت أثارتها تتجدد كلّما أراد أن يسقى أرضا ، قال مسندا إلى الرياح ؛ لأنّها السبب ، معبرا بالمضارع حكاية للحال ، لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة . وهكذا تفعل العرب فيما فيه غرابة للسامع على ذلك ، وحثا له على تدبره وتصوره ( فتثير ) أي بتحريكه لها إذا أراد ( سحابا ) أي أنه أجرى سبحانه وتعالى سنته أن تظهر حكمته بالتدريج ، ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث وكان التعبير بالمضارع يردّ التّعنّت عبر بالمضارع . ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه لمكان دون مكان من العظمة بمكان التفت عن الغيبة ، وجعله في مظهر العظمة ، فقال ( فسقناه ) أي السحاب ، معبرا بالماضي تنبيها على أن كلّ سوق كان بعد إثارتها في الماضي والمستقبل منه وحده أو بواسطة من إقامة لذلك من جنده من الملائكة أو غيرهم ، لا من غيره ، ودلّ على أنّه لا فرق بين البعد والقرب بحرف الغاية ، فقال ( إلى بلد ميّت ) . ولما كان السبب في الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال : فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذي هم به مكذبون قال رافعا للمجاز بكل تقدير وموضحا كل الإيضاح للتصوير : ( بعد موتها . . . كذلك . . . النشور ) « 1 » لاحظ " البقاعيّ " دلالة المضارع على تصوير الحدث ، وإقامته بين عيني المخاطب كأنّه يقع ، فلا يحجزه عن التبصر فيه والاعتبار إلا حاجز من نفسه وجاء البيان بالمضارع في الفعل الذي حدثه في الكون أدلّ على وقوع البعث الذي السياق له وهو حدث الإثارة ( فتثير ) وهذه الإثارة مثلها إثارة الموتى من أجداثهم ، فمن أثار سحابا ليحيى به أرضا ميتة قادر على إثارة الموتى من قبورهم في تلك الأرض ، فكان المضارع هنا هو القادر على تحقيق القصد ، وكان هو الأنس بالسياق ، ولم يمنع من إقامته في مقامه أن سبقه ماض وتبعه ماض ، فالتناسق الشكلى العقيم لا يدفع عن العناية بإقامة التناسق الدلالى النبيل الكريم . ليس المهم إذن أن نقول إنّ المضارع يصوّر الحدث ويستحضره بين ناظرى المخاطب ، ولكنّ الأهمّ هو إدراك التناسق بين السياق والقصد والفعل المصطفى ليكون العدول فيه من الماضي إلى المضارع ، فليس

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 16 / 16 - 17